السفن غرقت!
كانت ابنتي تأتي إليّ كل مساء وهي تحمل إحدى ألعابها وتسألني: "بابا، متى ستنتهي من الكمبيوتر؟ متى ستلعب معي؟"
لم يكن الجواب على هذه الأسئلة سهلاً. لم يكن تفكيرها واسعاً بما يكفي لفهم شرح أسئلتها.
الوقت الذي كنت أقضيه على الكمبيوتر لم يكن للعب أو لإضاعة الوقت، بل لكسب المال. قلت لابنتي: "أنا أطور برامج الكمبيوتر وأبيعها، حتى أستطيع بالمال الذي أكسبه أن أشتري لك الألعاب والطعام".
تكرر هذا المشهد دائماً، والأسئلة كانت نفسها. حتى أدركت أنه من غير المجدي الانتظار، والأفضل أن تشارك معي. طلبت الفأرة في يدها وسألتني إن كان لديّ نافذة للرسم. كنت أشارك معها سطح المكتب من وقت لآخر حتى تستطيع أن تكتب شيئاً في جزء من الشاشة. تعلمت بسرعة كيف تكتب اسمها بلوحة المفاتيح، وتعلمت أيضاً كيف تلعب لعبة التتريس ولعبة صيد الأسماك. وبما أن الألعاب كانت نسخاً تجريبية وبثلاث مراحل فقط، كانت دائماً متحمسة، فقلت لها: "هذه الألعاب مبرمجة عمداً بهذا الشكل، حتى تستطيعي أخذ استراحة أيضاً". من هذه الجوانب استيقظ اهتمامها بالبرمجة، وعندما تعلمت القراءة والكتابة في المدرسة، سألتني: "بابا، أريد أن أكتب برامج معك". فأجبتها: "نعم سنفعل ذلك، لكن أولاً واجباتك المدرسية، ثم عندما نجد وقتاً سأعلمك".
البرمجة هي إنشاء برامج للكمبيوتر، يمكن تطويرها بلغات برمجة معينة. لغات البرمجة هي التي تترجم المتطلبات المكتوبة في دفتر المواصفات إلى لغة يفهمها الكمبيوتر. البرنامج يتكون من تعليمات كثيرة تؤدي معاً إلى حل واحد. هدف البرمجة هو برامج تسهل العمل على المستخدمين، وتجعل الخطوات تلقائية أو تقوم ببعض المهام بالكامل. تنتهي البرمجة عندما يعمل البرنامج بدون أخطاء ويحقق المتطلبات. أكيد يجب أن تعرف كيف يعمل الكمبيوتر وكيف يتم إدخال وإخراج البيانات.
قررنا تطوير لعبة، وهي "لعبة إغراق السفن". في البداية رسمنا على الورق مخططاً: كيف ستكون اللعبة؟ كيف تبدو السفن؟ كيف أغرق السفن وكيف أطلق النار على السفن أصلاً؟ لعبنا بالورق لعدة أيام وحتى صنعنا قارباً. لعبنا اللعبة ومراحلها بالفعل. كان ذلك ممتعاً جداً لها. لجعل إغراق السفن واقعياً أكثر، أحضرنا كتباً من المكتبة وتعلمنا تاريخ بناء السفن ونظرنا إلى الصور.
اتفقنا على برمجة لعبة إغراق السفن مرتين في الأسبوع، لأننا لم نكن نملك وقتاً أكثر من ذلك. حضرت إطاراً للتطبيق لمعاملة السفن كأشياء وتحريكها من الجانب الأيسر للشاشة حتى تختفي في الجانب الأيمن خلال 10 ثوانٍ. عندما تُصاب السفينة تسقط الكرة على السفينة وتتغير لون السفينة وتغرق في الماء. اخترنا معاً الألوان والصور الخلفية وحددنا نظام النقاط. استغرق ذلك حوالي 6 أشهر! في تلك الفترة اشتكت ابنتي كثيراً، أن البرمجة متعبة وتستغرق وقتاً طويلاً جداً. لكنها قررت تحقيق هذا الهدف وأرادت بشدة برمجة اللعبة حتى النهاية.
بعد سبعة أشهر تحركت السفينة الأولى واستطاعت ابنتي بطلقتين أن تغرق كل شيء. ضحكنا أثناء الغرق حتى نزلت الدموع من أعيننا. كان ذلك اليوم هو الأجمل لابنتي، أحضرت صديقاتها وأرتهن جميعاً كيف تغرق السفن. كل ضيوفنا في ذلك الوقت كان عليهم أن يشاهدوا السفن وهي تغرق، خاصة صوت فقاعات الهواء. وكانت ابنتي تبتسم أكثر من أي وقت.
بالطبع لم تنته برمجة اللعبة، لكن في هذه المرحلة انتهى دوري و عملي، وطلبت من ابنتي أن تستمر وحدها وتفكر كيف يجب تطوير اللعبة أكثر. من هذا العمل استيقظ اهتمامها لتكون مبدعة. في عطلة الشتاء حولنا اللعبة إلى "صيد الإوز". بدلاً من تحريك السفن أفقياً، طارت الإوز. أنا ساعدتها في إنشاء الإوز الميت على الأرض. أرتها لمعلمها وحصلت على أفضل درجة كمشروع للواجب المنزلي.
كبرت ابنتي مع التصاميم. صممت السفن لبعض الوقت وكان الماء شغفها. في تصميم القوارب عملت مع عدة شركات وكانت دراستها أيضاً في هذا المجال. اليوم لا تبرمج ولا تصمم السفن، لكن حتى اليوم تفكيرها الاستراتيجي مبني على البنية التي تعلمتها من البرمجة.
الآن تقول: "بابا، علمتني كيف أغرق السفن. الآن يجب أن تعلمني كيف نخرج السفن الغارقة بطريقة ممتعة".
الكاتب: آراس نوري.
قصص/

